الغزالي

123

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

حكاية : يقال إن الحسن البصري رحمة اللّه عليه قصد زيارة رابعة العدوية رضي اللّه عنها في جماعة من أصحابه ، فلمّا وصلوا الباب قالوا : أتأذنين لنا في الدخول ؟ فقالت : تمهّلوا ساعة ! وجعلت الكساء بينها وبينهم سترا وأذّنت لهم ، فدخلوا وسلّموا عليها ، فأجابتهم من وراء الستر ، فقالوا : لم علقت بيننا وبينك سترا ؟ فقالت : أمرت بذلك في قوله تعالى : فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الأحزاب : 53 ] . واجب على الرجل أن لا ينظر إلى امرأة أجنبية بحال ، فإنه قبل أن يجازى به في الآخرة يجازى به في الدّنيا كما جاء في الحكاية : حكاية : كان بمدينة بخارى رجل سقاء يحمل الماء إلى دار رجل صائغ مدّة ثلاثين سنة ، وكان لذلك الصائغ زوجة في نهاية الحسن والجمال والظرف والكمال ، معروفة بالديانة ، موصوفة بالستر والصيانة . فجاء السقاء على عادته يوما وقلب الماء في الباب وكانت المرأة قائلة في وسط الدار ، فدنا منها وأخذ بيدها ولواها وفركها وعصرها ثم مضى وتركها . فلمّا جاء زوجها من السوق قالت له : أريد أن تعرفني أي شيء صنعت اليوم في السوق لم يكن للّه تعالى فيه رضا ؟ فقال الرجل : ما صنعت شيئا ؛ فقالت المرأة : إن لم تصدقني وتعرفني فلا أقعد في بيتك ولا تعود تراني ولا أراك ؛ فقال : اعلمي أن في يومنا هذا أتت امرأة إلى دكاني فصنعت لها سوارا من ذهب ، فأخرجت المرأة يدها ووضعت السوار في ساعدها ، فحرت من بياض يدها وحسن زندها فتذكرت هذا المثنوي : في ساعدها سوار تبر واري * كنار يلوح فوق ماء جاري هل يخطر في هواجس الأفكار * ماء وله منطقة من نار ثم أخذت يدها فعصرتها ولويتها . فقالت المرأة : اللّه أكبر ، لم فعلت مثل هذا الحال ؟ لا جرم أن ذلك الرجل الذي كان يدخل البيت منذ ثلاثين سنة ولم نر منه خيانة أخذ اليوم يدي فعصرها ولواها . فقال الرجل : الأمان أيتها المرأة ممّا بدا مني ، فاجعليني في حلّ ! فقالت المرأة : اللّه المسؤول أن يجعل عاقبة أمرنا إلى خير . فلمّا كان من الغد جاء الرجل السقاء وألقى نفسه بين يدي تلك المرأة وتمرّغ على التراب وقال : يا صاحبة المنزل اجعليني في حلّ ، فإن الشيطان أضلّني وأغواني ؛ فقالت المرأة : امض في حال سبيلك ، فإن ذلك الخطأ لم يكن منك وإنّما كان من ذلك الشخص صاحب الدكان ، فاقتصّ اللّه منه في الدّنيا .